ابن عجيبة

471

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عبارة عن أنها لا تنتقل إلّا أن تنقل . قال : ويحتمل أن يكون ما ذكره اللّه من تسبيح الجمادات ؛ هو اهتداؤه . ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إشارة إلى مذاكرة الكفار يوم القيامة حسبما مضى في هذه السورة . ه . فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي : أىّ شئ حصل لعقولكم ، فكيف تحكمون بشئ يقتضى العقل بطلانه بأدنى تفكر ؟ . الإشارة : في الآية تحريض على رفع الهمة عن السّوى ، إلى من بيده البدء والإعادة ، والإرشاد والهداية ، إلا من جعل على يديه الإرشاد والهداية ، وهم الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء ، فالخضوع إليهم خضوع إلى اللّه على الحقيقة ، واتباعهم اتباع لله على الحقيقة ، وكل من تبع غيرهم فإنما يتبع الظن والهوى دون الحق ، كما أبان ذلك بقوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 36 ] وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 36 ) يقول الحق جل جلاله : وَما يَتَّبِعُ أكثر المشركين في اعتقادهم إِلَّا ظَنًّا مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة ، كقياس الغائب على الشاهد ، والخالق على المخلوق ، بأدنى مشاركة موهومة . والمراد بالأكثر : الجميع ، أو من ينتسب منهم إلى تمييز ونظر ، ولم يرض بالتقليد الصرف ، إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ ؛ من علم التحقيق شَيْئاً ، أو مِنَ الاعتقاد الْحَقِّ شَيْئاً من الإغناء . قال البيضاوي : وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب ، وأن الاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز . ه . وعدم الاكتفاء بالظن إنما هو في الأصول ، وأما الفروع فالظن فيها كاف . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ، هذا وعيد لهم على اتباعهم الظن ، وإعراضهم عن النظر والاستدلال ، وعلى عدم اتباعهم من يدلهم على الحق . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الناس على قسمين : أهل تصديق وإيمان ، وأهل شهود وعيان . فأهل التصديق والإيمان هم عامة أهل اليمين ، وهم أكثر المسلمين من العلماء والصالحين ، يستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان ، فتارة يقوى عندهم الدليل فيترقّون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم ، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح . وأما أهل الشهود والعيان ، فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكوّن ، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره ، فلا يجدونه ، حتى قال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى أشهده ، محال أن تشهده وتشهد معه سواه . وقال شاعرهم : مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع مذ تجمّعت ما خشيت افتراقا * فأنا اليوم واصل مجموع